تحوم التساؤلات حول النتائج المرتقبة من زيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن للسعودية الجمعة والسبت 15 و16 يوليو، ضمن جولة بالشرق الأوسط بدأت باسرائيل الأربعاء وتستمر لعدة أيام.

وبينما ينظر للزيارة بعين الأهمية كونها الأولى لحاكم البيت الأبيض منذ توليه منصبه مطلع 2021، يرى محللون سياسيون أنها لن تؤدي للكثير من التوافقات، لكن توقيتها مهم  بسبب الحرب الروسية  ونتائجها على سوق النفط وارتفاع أسعار الطاقة.

يريد بايدن بهذه الزيارة أن يمد خط العلاقات مع الخليج حتى لا تستأثر بها روسيا في هذا الوقت الحرج، وفقا لما قاله طارق فهمي أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة.

بحسب فهمي لزاوية عربي، إنه بالنظر لملفات هامة لبايدن - تتعلق بالأساس بالداخل الأمريكي وانتخابات التجديد النصفي في نوفمبر- سيركز كما هو متوقع على أن تدعم السعودية زيادة إنتاج النفط لخفض الأسعار وهو أمر ستتفهمه قيادة المملكة "لكن لن يكون هناك استجابة لحظية ووقتية لهذا الطلب".

عانى سوق النفط العالمي هذا العام من ضغوط نقص الإمدادات بعدما فرضت واشنطن وأوروبا عقوبات على نفط روسيا ولم تتوصل لاتفاق يعيد النفط الإيراني للسوق، ما رفع من أسعار الخام لمستويات غير مسبوقة.

 يتعرض الرئيس الأمريكي لضغوط سياسية لخفض أسعار النفط التي تؤثر على المستهلك الأمريكي إذ ارتفعت أسعار البنزين في 11 يونيو إلى مستوى تاريخي بلغ أكثر من 5 دولارات للجالون في ظل ارتفاعات قياسية للتضخم في أمريكا والعالم. 

وبينما يُنظر للسعودية على أنها طوق النجاة من هذا الوضع كونها تمتلك احتياطي يمكنها من زيادة إنتاجها - إلى جانب الإمارات - لخفض الأسعار تتمسك الدولتان بخطة منظمة أوبك+ ولم تستجب أي منهما لدعوات مماثلة سابقا.

وكانت أوبك+، التي تضم السعودية والإمارات وروسيا إلى جانب دول أخرى من كبار منتجي النفط، قد خفضت إنتاج دول المجموعة منذ انتشار جائحة كوفيد في 2020  في اتفاق من المتوقع ان ينتهي الشهر القادم.

موقف السعودية الذي يبدو وكأنه يقف على الطرف الآخر لحبل أفكار بايدن، يفسره الكاتب والمحلل السياسي السعودي تركي الحمد في سلسلة تغريدات الثلاثاء قال فيها إن بايدن يريد الخروج باتفاق حول زيادة إنتاج النفط لتحسين وضع الديموقراطيين بالانتخابات وهو أمر "لا يهم القيادة السعودية من قريب أو بعيد، فللسعودية التزاماتها الدولية الأخرى التي لا تستطيع الإخلال بها".

ويرى بدر السيف وهو أستاذ مساعد في جامعة الكويت وعادة ما يعقب على معظم الأحداث السياسية الهامة، أن الزيارة لا تستحق إثارة هذه الضجة.

في يونيو كتب السيف متسائلا عبر تويتر:"‏لماذا تثير زيارة بايدن إلى السعودية كل هذه الضجة؟ دائماً ما تفوز الواقعية في السياسة الخارجية الأمريكية. لقد شهدت الشراكة السعودية الأمريكية العديد من العقبات لكن يتم تسويتها بسبب أن كلا الجانبين يحتاجان لبعضهما. التوترات ليست أمرًا مفاجئاً بل تأتي وتذهب وسوف تستمر".

تنازلات غير مقبولة؟

وبحسب الكاتب السعودي الحمد على تويتر، إن الملفات والتنازلات المتوقعة من السعودية التي سيأتي بها بايدن ومستشاريه في هذه الزيارة ليست من أولويات السعودية وقيادتها كما أنها لن تقبلها.

يشير الكاتب إلى أن هذه التنازلات هي "احتكار الولايات المتحدة للتحالف مع السعودية، ووقف التعامل أو التحالف مع اية قوى عظمى اخرى (الصين وروسيا)، وهذا أمر بات من الماضي، ولا مكان له من الإعراب حاليا في ظل قيادة لا تضع كل بيضها في سلة واحدة".

لم تعلن دول الخليج ومصر موقف صريح ضد روسيا بعد الحرب والتزمت الحياد، إضافة لذلك حضر رئيس الوزراء الروسي سيرغي لافروف في يونيو قمة لوزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي، المنظمة التي تضم دول الخليج الست وأبرز أعضاء تكتل أوبك+ الذي تقوده السعودية وروسيا.

بايدن وبن سلمان

وفي القلب من هذه التشابكات، لا يزال منحى لا يمكن إغفاله في هذه الزيارة يتعلق بولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الذي لا يتعامل معه بايدن بشكل مباشر ويفضل مخاطبة الملك سلمان.

ورغم اعلان لقاء مرتقب بين بايدن وبن سلمان، قال بايدن في تصريحات نقلتها سي إن إن يونيو الماضي "أنا لست ذاهبا للاجتماع بمحمد بن سلمان (ولي العهد السعودي) بل أذهب لحضور اجتماع دولي وهو سيكون جزءا منه مثلما هناك أناس يمثلون جزءا من المناقشات اليوم".

سيحضر بايدن قمة مشتركة مع قادة دول مجلس التعاون لدول الخليج والأردن ومصر والعراق، في اليوم الثاني للزيارة، وفقا لما أعلنه الديوان الملكي السعودي.

تمثل قضية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في إسطنبول في 2018 - التي تم تسويتها بين السعودية وتركيا وحولها القضاء التركي إلى الرياض أبريل الماضي - مشكلة محورية في العلاقة بين واشنطن والرياض.

وكان تقرير استخباري أمريكي صادر - بعد فترة قصيرة من تسلم بايدن الرئاسة -  في فبراير 2021 قد استنتج ان بن سلمان قد وافق على عملية استهداف خاشقجي التي أدانت فيها السعودية مجموعة من السعوديين لم تذكر أسمائهم وأرسلت 5 منهم للإعدام. وقد نفت المملكة أي علم لبن سلمان بالأمر. ولم تفرض أمريكا حينها أي اجراءات ضد ولي العهد السعودي.

وكانت لبايدن تصريحات قوية ضد المملكة أثناء حملته الانتخابية منها إن السعودية تقتل الأطفال في اليمن وانه لن يبيع لهم المزيد من الأسلحة وانه يريدهم "منبوذون كما هم". وتضعف هذه التصريحات حاليا موقف بايدن في الداخل الأمريكي.

ووفقا لتغريدات الكاتب السعودي تركي الحمد: "التبشير بقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والمرأة والمثليين، وفق المنظور الأميركي بالطبع، وهذه أمور ليست من أولويات القيادة السعودية، وطرحها لن يقدم أو يؤخر".

إيران

ويشير الحمد إلى أن الملفات ذات الأولوية في ذهن "صانع القرار السعودي" هي إيران و ملف برنامجها النووي بالإضافة لحرب اليمن.

تدعم إيران جماعة الحوثي في اليمن التي شنت السعودية على رأس تحالف عربي حرب ضدها منذ أكثر من 7 سنوات.

وهو ملف يرى المحلل السياسي المصري طارق فهمي أنه لا يزال - وسيستمر- على الطاولة طالما لم يتم التوصل لاتفاق جديد بشأن البرنامج النووي الإيراني الذي تحاول الدول الغربية التوصل إليه بلا جدوى حتى الآن.

"واشنطن تضع مسارين للملف الإيراني أحدهما نجاح الاتفاق النووي وحينها يكون الأمر انتهى والآخر امتداد المفاوضات.. لبعض الوقت وتصبح إيران مهددة لأمن الإقليم ويتم التعامل معها من هذا الإطار،" بحسب فهمي.

 "أما السعودية التي تعتبر ملف إيران أمني استراتيجي شائك فلا اعتقد انها والإمارات ترغبان في استنفار طهران في هذا التوقيت رغم كل ما يقال.. لأن هناك حوار سعودي إيراني لم يفشل ومستمر".

وقد قال ناصر كنعاني المتحدث باسم الخارجية الإيرانية الأربعاء في مؤتمر صحفي إن جولات المحادثات بين إيران والسعودية "واعدة"، بحسب رويترز، مضيفا أن كلا من طهران والرياض مهتمتان بعقد اجتماعات أخرى.

 

(إعداد: شيماء حفظي، تحرير ياسيمن صالح، للتواصل yasmine.saleh@lseg.com)

#تحليلمطول 

للاشتراك في تقريرنا اليومي الذي يتضمن تطورات الأخبار الاقتصادية والسياسية، سجل هنا