أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بدء عملية عسكرية في منطقة دونباس بشرق أوكرانيا صباح الخميس، الأمر الذي سيجلب عقوبات اقتصادية وسياسية مشددة على البلاد، والتي قد تتضمن عزل النظام البنكي الروسي عن العالم ومنع التكنولوجيا الغربية عن قطاعات استراتيجية بغرض تعجيز الاقتصاد الروسي.

فهل تستطيع روسيا تحمل تكلفة الحرب؟

يبدو أن الرئيس الروسي كان يجهز اقتصاد البلاد منذ عدة سنوات لامتصاص تداعيات مثل هذا التحرك العسكري ضد أوكرانيا.

فمنذ فرض العقوبات الغربية على موسكو بعد ضمها شبه جزيرة القرم في 2014، ارتفع الاحتياطي الأجنبي بشكل شبه مستمر من حوالي 357 مليار دولار في 2015 إلى 640 مليار دولار في يناير 2022.

 

وتلك العقوبات هي أيضًا ما دفع المؤسسات المالية الروسية والبنوك على تخفيض الاعتماد على أسواق الدين العالمية.

وقال الكرملين، في بيان يوم الخميس، إنه كان يطور أدوات للتعامل مع تقلبات السوق، كما بدأ البنك المركزي الروسي التدخل في السوق المالية المحلية لتحقيق الاستقرار بعد هبوط كبير في بورصة موسكو والعملة الروسية.

وروسيا هي ثاني أكبر مصدر للنفط في العالم بعد السعودية، وأكبر منتج للغاز الطبيعي. إذ تصدر موسكو ما يصل إلى 5 ملايين برميل يوميا من النفط الخام، إضافة إلى نحو 2.5 مليون برميل يوميا من المنتجات النفطية، وهو ما يشكل 10% من تجارة النفط العالمية.

وتخطت أسعار البترول حاجز الـ 100 دولار للبرميل مع اندلاع الحرب يوم الخمسي، لتقترب من مستوى 105 دولار.

ولم تقتصر استعدادات بوتين على تعزيز الاحتياطات فقط، بل إنه سعى في السنوات الماضية إلى تقليل دولرة عائدات الصادرات وتخلي اقتصاد موسكو عن الدولار الذي اتهم الولايات المتحدة سابقا باستغلاله لفرض العقوبات.

فقد عملت روسيا على تقليل حيازة صندوق الرفاه الوطني، الذي يحتفظ بعائدات النفط، من الدولارات، فبعدما كان 95% من صادرات روسيا بالدولار في عام 2013، أصبح الآن 10% من تجارة موسكو بالدولار.

كما عملت البلد على تحويل الدولار إلى عملات أجنبية أخرى ضمن الاحتياطيات الضخمة للبنك المركزي.

وزاد الرئيس الروسي أيضاً من حيازة بلاده من الذهب، لترتفع من ما يعادل ملياري دولار من الذهب في 1995 إلى نحو 130 مليار دولار حاليا وهو ما يشكل 20% من احتياطات البلاد، ويضعها في المرتبة الرابعة بعد الولايات المتحدة، وألمانيا وإيطاليا.

فضلا عن هذا، فقد طورت موسكو نظام جديد للمدفوعات أسمته "مير" ليكون بديلا عن نظام "سويفت" الدولي للتعاملات المصرفية، الذي هددت الإدارة الأمريكية بفصل موسكو عنه في مرحلة متقدمة من العقوبات على خلفية الأزمة الأوكرانية.

مؤشرات اقتصادية مواتية 

يعيش الاقتصاد الروسي فترة ازدهار بسبب أسعار النفط المرتفعة، حتى من قبل الزيادة الأخيرة المدفوعة بالتحرك العسكري ضد أوكرانيا. فميزانية الدولة تحقق التوازن عند مستوى 44 دولار للبرميل، وهو ما بدوره يعزز من العملة الصعبة والذهب في احتياطيات البنك المركزي.

ويتوقع صندوق النقد الدولي أن تحقق روسيا فائض مالي في عامي 2023 و2024.

كما تدخل روسيا الحرب وهي في حالة تعافي، حيث سجل الاقتصاد معدل نمو يقدر بـ4.7% في 2021 وهو أعلى من معدلات ما قبل جائحة كورونا.

ويمثل الدين العام في روسيا 18% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يعطي السلطات القدرة على زيادة أسعار الفائدة للسيطرة على التضخم بدون تحمل تكلفة فوائد أعلى. أما إجمالي الدين الخارجي فيمثل أقل من 30% من الناتج المحلي.

فيما سجل معدل التضخم السنوي في عام 2021 في روسيا 5.9%، على أن ينخفض إلى إلى 4.8% في عام 2022، صندوق النقد الدولي.

كذلك انخفض معدل البطالة من 5.8% في عام 2020 إلى 4.9% في عام 2021.

لكن على الرغم من تلك المؤشرات الاقتصادية الإيجابية، فإن اقتصاد روسيا ليس مصدر الجزء الأكبر من قوتها، بل إنها قدراتها وترسانتها النووية التي لن يتوانى الرئيس الروسي عن استخدامها.

غزو بلا تداعيات اقتصادية؟

قال بوتين في عام 2015 إن "سيادة روسيا ليست مطروحة للبيع"، مشيرا بذلك إلى أن التداعيات الاقتصادية والمالية لن تردعه من السعي للسيطرة على الأراضي التي يظنها حقا لروسيا.

وحتى الآن لم تمس العقوبات الدولية المعلنة ضد روسيا على خلفية تحركاتها ضد كييف صادرات النفط والغاز الروسية التي هي نقطة القوة الأكبر للاقتصاد. لكن العقوبات طالت بنوك ورجال أعمال روس.

وتهدف هذه العقوبات إلى الإضرار بقدرة روسيا على تمويل جهودها العسكرية، ومن شأنها أن تضر بالنظام المصرفي في روسيا والمستثمرين وأن تقوض القوة الشرائية للمواطنين الروس.  

ولم تنجح عقوبات فرضت على روسيا في أعقاب ضمها لشبه جزيرة القرم عام 2014 في تثبيط عزيمة الرئيس الروسي آنذاك.

(إعداد: مريم عبد الغني، وقد عملت مريم سابقا في عدة مؤسسات إعلامية من بينها موقع أصوات مصرية التابع لمؤسسة تومسون رويترز وتلفزيون الغد العربي)

(تحرير: أحمد فتيحة، للتواصل:ahmed.feteha@refinitiv.com)

#تحليلسريع

 

للاشتراك في تقريرنا اليومي الذي يتضمن تطورات الأخبار الاقتصادية والسياسية، سجل هنا