لم يدخر الرئيس الأمريكي جو بايدن أي جهد لمهاجمة السعودية واتخاذ إجراءات ضد مصالحها على مدار أكثر من عام ونصف. 

يبدو هذا الرأي هو السائد لدى العديد من المواطنين العرب وكذلك المراقبين  بناءا على تحليل لتصرفات وأقوال بايدن بشأن المملكة منذ الأيام الأولى لتوليه السلطة وحتى وقت الانتخابات والتي سنستعرضها بالتفصيل في آخر المقال.

إلا أن زيارة بايدن المحتملة في شهر يونيو لملاقاة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وهو اللقاء الذي يتم الترتيب له وفقا لتقارير إخبارية في شهر مايو الجاري، أبرزها من CNN وبلومبرج، تشير إلى إمكانية سعي الرئيس الأمريكي لبدء صفحة جديدة مع المملكة.

اللقاء المحتمل بين بايدن وبن سلمان، إذا تم، لن يكون نتيجة تقارب وجهات النظر في الخلافات بينهما، إلا أن الولايات المتحدة، تحت ضغط ارتفاع الأسعار نتيجة الحرب الجارية بين روسيا وأوكرانيا منذ فبراير الماضي، قد تحتاج إلى التقارب مع السعودية، والسبب هو النفط. 

 أوبك بلس

طلبت الولايات المتحدة مرارا من مجموعة أوبك بلس - التي تضم مجموعة أوبك وحلفاء على رأسهم روسيا -  زيادة إنتاج النفط بنسب كبيرة للحد من زيادة الأسعار التي تخطت 100 دولار للبرميل خلال الشهور الماضية. لكن المنظمة قاومت الدعوات، وسط تجدد مخاوف ضعف الطلب على النفط نتيجة تباطؤ النمو الاقتصادي. 

وكانت المجموعة قد اتفقت في يوليو العام الماضي على زيادة الإنتاج بمقدار 400 ألف برميل يوميا كل شهر ابتداء من أغسطس إلى أبريل 2022 للتخلص تدريجيا من 5.8 مليون برميل يوميا بحلول سبتمبر 2022، وهو أقل من خطة خفض الإنتاج التي اعتمدتها المجموعة عام 2020 بعد أن أثرت جائحة كورونا على الطلب على النفط وهبطت الأسعار لمستويات تاريخية.

ورفعت أوبك بلس المكونة من 23 دولة سقف الإنتاج بحسب الخطة إلى 432 ألف برميل لشهري مايو ويونيو في الاجتماعين الأخيرين للمجموعة، وهو المستوى المتوقع الإبقاء عليه حتى نهاية سبتمبر القادم.

والسعودية هي الدولة الأكثر تصديرا للنفط في العالم والأكثر إنتاجا في منظمة الأوبك مما يجعلها أكثر الأعضاء تأثيرا داخل منظمة أوبك بلس بجانب روسيا.

ما هو التأثير المتوقع لزيارة بايدن؟ 

في حالة إتمام الزيارة بين بايدن وبن سلمان، ونتج عن ذلك إشارات لتحسن العلاقات "سيكون من المتوقع أن تقوم كل من السعودية والإمارات بالإسراع في زيادات الإنتاج،" وفقا لما قاله روبرت مكنالي رئيس رابيدان إنرجي لاستشارات الطاقة، والتي مقرها واشنطن، لموقع زاوية عربي.

ولكنه أضاف أن ذلك لا يعني بالضرورة أن أوبك بلس ستدعم زيادات الإنتاج بشكل رسمي.

من المقرر أن يقام اجتماع أوبك بلس القادم لاتخاذ قرار بخصوص معدلات الإنتاج في 2 يونيو. ومع عدم وجود تأكيدات رسمية على زيارة بايدن للسعودية، يتوقع أن تتم بعد اجتماع المجموعة القادم.

من جانبه، قال جيوفاني ستانوفو محلل النفط لدى شركة "يو.بي.إس" لاستشارات الطاقة و مقراتها الرئيسية في مدينتي زيورخ وبازل السويسريتين لموقع زاوية عربي "أتوقع أن يكون أي رد من أوبك بلس بخصوص الإنتاج مدفوعا أيضا بكيف ستتطور الصادرات الروسية للنفط خلال الشهور القادمة."

وكانت وكالة رويترز قد نقلت في شهر أبريل أن إنتاج روسيا للنفط من المحتمل أن ينخفض بنسبة قد تصل إلى 17% خلال العام الجاري، وفقا لوثيقة رسمية اطلعت عليها الوكالة، وذلك على خلفية العقوبات التي تعرضت لها من القوى الغربية نتيجة احتلالها لأوكرانيا. وروسيا هي ثالث أكبر دولة منتجة للنفط في العالم.

وينتظر العالم اجتماع مرتقب للاتحاد الأوروبي هذا الأسبوع قد يناقش ويقر فيه حظر شامل على صادرات النفط الروسي.

"السعوديون يشعرون بالثقة"

وكان وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان قد ألمح خلال الاجتماع السنوي  للمنتدى الاقتصادي العالمي "دافوس 2022" في سويسرا  الذي انتهى الخميس الماضي أن ليس لدى السعودية النية لتسريع وتيرة زيادات الإنتاج، قائلا إن ليس هناك ما تستطيع المملكة فعله لترويض أسواق النفط.

"المسؤولون السعوديون يشعرون بالثقة في موقفهم،" وفقا لكارن يونج، مديرة برنامج الاقتصاد والطاقة في معهد الشرق الأوسط للأبحاث، ومقره واشنطن، في حديثها مع موقع زاوية عربي. 

"استراتيجيتهم ونصائحهم التي يقدمونها منذ عام 2021 تجاه الطاقة بخصوص الضغط على الأسعار نتيجة نقص النفقات الرأسمالية تم إثبات صحتها. وهم ليسوا في حاجة إلى موافقة السياسية الأمريكية."

تدهور العلاقات

لم يتوارى بايدن منذ الانتخابات الرئاسية الأمريكية السابقة عن إبداء آرائه الهجومية تجاه السعودية، واصفا إياها بالدولة "المنبوذة" على خلفية مقتل الصحفي جمال خاشقجي. كذلك وجه انتقادات للرئيس الأمريكي السابق ومنافسه في الانتخابات آنذاك، دونالد ترامب، لعلاقته الدافئة مع السعودية وبن سلمان.

وعقب فوزه بالرئاسة، بدأ بايدن في اعادة تشكيل علاقة الولايات المتحدة بالسعودية مع وعود منه لإحياء القيم الديمقراطية في السياسة الخارجية الامريكية. ورفض الرئيس الأمريكي الحالي التعامل مع بن سلمان بشكل مباشر لشبهة تورطه في مقتل جمال خاشقجي، وفقا لتقارير إخبارية، مفضلا التعامل مع والده الملك سلمان. 

وكانت المخابرات الأمريكية قد أصدرت تقرير العام الماضي يدين بن سلمان في مقتل خاشقجي، الكاتب السعودي المعارض حامل الجنسية الأمريكية الذي قتل بعد دخوله القنصلية السعودية في اسطنبول في أكتوبر 2018. ونفت السعودية ضلوع بن سلمان في قتله بينما تمت محاكمة مسؤولين سعوديين على تورطهم في الجريمة.   

وقامت الإدارة الأمريكية بتطبيق عقوبات على مسؤولين سعوديين إلا أنها لم تطبق أي عقوبات على بن سلمان. وفي العام الماضي، أعلن بايدن وقف الدعم الأمريكي للحرب التي تقودها السعودية ضد اليمن، وألغى قرار سابق اتخذه ترامب باعتبار الحوثيين في اليمن جماعة ارهابية، بالرغم من هجماتها المتكررة على السعودية والإمارات.

وقد نقلت صحيفة وول ستريت جورنال عن مصادر مارس الماضي أن بن سلمان والشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الإمارات الحالي - والذي كان وقتها ولي عهد أبو ظبي-  رفضا تلقي مكالمة من بايدن للتحدث حول أسعار النفط.

وتعتقد يونج أن "السعودية  لن تأتي لاجتماع (مع الولايات المتحدة) بالقبعة في يديها، الا أن بايدن قد يفعل ذلك."

(إعداد: شريف طارق، للتواصل: yasmine.saleh@lseg.com)

للاشتراك في تقريرنا اليومي الذي يتضمن تطورات الأخبار الاقتصادية والسياسية، سجل هنا 

#تحليلمطول