"أريدكم أن تتذكروا شعورنا هذه الليلة. غثيان وقلق يعتصر قلوبنا، وخوف من رؤية ما يحصل في وسائل التواصل الاجتماعي أو الأخبار، وعجز عن النوم أو الأكل أو حتى التنفس،" هذا ما قالته ديمة العلمي، التي شاركت في تأليف كتاب الأطفال "من بلد اسمه فلسطين".

 تلك الكلمات، نشرتها العلمي على حسابها في منصة إنستغرام أكتوبر الماضي، بعد يوم على انقطاع الاتصالات عن غزة بالتزامن مع إعلان الجيش الإسرائيلي البدء بتوسيع العمليات العسكرية والدخول برا شمال القطاع. ولكنها هي أيضا من نادت بالتحدث عن فلسطين مرارا قبل ذلك.

وكتبت العلمي على حسابها على إنستغرام في 6 نوفمبر: "لدينا الآن وسائل التواصل الاجتماعي التي من خلالها يمكن لكل شخص أن ينشر عن تاريخ وثقافة وشعب فلسطين.. صوتنا يحدث فرق، صوتنا فعال".

الحرب التي اقتربت من شهرها الثاني بين حماس وإسرائيل ليست الأولى ولكنها بالتأكيد الأكبر، وهذا يعد الفارق الأبرز بين هذه الحرب والصراعات الأخرى لكنه قد لا يكون الوحيد. فوسائل التواصل الاجتماعي - التي كبرت وتوسعت بشكل كبير منذ صعود حماس للسلطة في 2006 - أعطت للجميع الفرصة للتأثير والتحكم بآراء ومشاعر مجموعة من الناس من مؤيديها ومتابعيها.

والسؤال هنا هل يمكن لمستخدمي الإنترنت والمؤثرين -على يوتيوب وفيسبوك وغيرها من المنصات- مجتمعين أو منفردين السيطرة على مجموعة من الناس تشكل كتلة تستطيع فرض رأي ما على المشهد أو منع آخر؟ هل ممكن أن يتحول فيسبوك لميدان تحرير جديد بعد أن كان عامل مهم لنزول الناس إليه في انتفاضة 2011 المصرية الشهيرة؟

للإجابة على هذا السؤال، سنستعرض في سلسلة تقارير مجموعة من هؤلاء المؤثرين، ماذا يفعلون، المعوقات، وكذلك تعليقات من المختصين.

معتز عزايزة

"صورتي سافرت عبر العالم لكن لم تستطع قدمي أن تطأ أرض بلادي،" هكذا يعرف عن نفسه المصور الفلسطيني من غزة، معتز عزايزة عبر حسابه على إنستغرام، والذي لم تلتقط عدسة كاميرته فقط مشاهد الدمار جراء القصف لكنه لا يفوت فرص الصور الباعثة على الأمل للتخفيف عن أطفال فلسطين النازحين في المخيمات.

في مقطع فيديو يظهر عزايزة وهو يُلبس سترة الصحفي الواقية لأحد الأطفال الذي نجا من قصف خلال نزوحه من غزة، ويظهر الطفل في الفيديو مبتسم بعد ارتدائها. وفي فيديو آخر يظهر وهو يسمح لطفلة أن تضع له "ماكياج" بعد أن أنقذت أدوات المكياج من تحت أنقاض منزلها المدمر.

 وفي حسابه الكثير من صور أطفال وشيوخ مبتسمين رغم تواجدهم في مراكز إيواء نازحين على أمل أن تنتهي الحرب، وفي مقطع فيديو يظهر معتز باكيا وهو مرتديا سترة للهلال الأحمر الفلسطيني وبين ذراعيه طفل لقي مصرعه وقال باللغة الإنجليزية "كنت في المقعد الأمامي في سيارة الإسعاف، طرق الناس نافذتي ووضعوا هذا الطفل الرضيع الشهيد بين ذراعي".

وتضاعف عدد متابعي عزايزة في شهرين من نحو 7 مليون متابع في أكتوبر 2023 إلى أكثر من 15 مليون متابع حاليا.

ويعتزم عزايزة مواصلة نشر ما يحدث في قطاع غزة، وكتب في تغريدة يوم 20 نوفمبر عبر حسابه على إكس (تويتر سابقا) الذي يتابعه أكثر من 600 ألف شخص: "تلقيت العديد من التهديدات والعروض بالتوقف والمغادرة والاستسلام والحصول على حياة طيبة، لن أترك القطاع الجميل خلفي أبدا".

وأدرجت مجلة تايم البريطانية أكثر من صورة لغزة على قائمة أفضل 100 صورة لعام 2023 ومن بينها صورة التقطها المصور الصحفي علي جاد الله لامرأة تهم بالفرار من موقع أحد الأبنية المدمرة في غزة وهي تحمل طفلتها.

وظهرت هذه الصورة على وكالة الأناضول التركية وكتب جاد الله الذي خسر 4 من أفراد أسرته بما في ذلك والده مقال في ذي إيكونوميست في 27 أكتوبر "العالم أجمع مات فجأة.. أصبحت جسد بلا روح.. الأهم هو نقل ما يحصل".

وائل الدحدوح

تحول مراسل قناة الجزيرة وائل الدحدوح إلى حالة يتابعها الجمهور كما الأوضاع في غزة، بعد أن فقد أفراد من عائلته في غارة إسرائيلية خلال عمله على الهواء، ثم ظهر كضيف على قناة الجزيرة بدلا من مذيع يحكي عن وجيعته فيما أصبحت جملته الشهيرة "بينتقموا منا في أولادنا.. معلش" حديث السوشيال ميديا.

وأصبحت كلمة "معلش" التي تستخدم عادة للمواساة رمز للصمود.

وعاد الدحدوح لاستكمال عمله، وازداد نشاطه على منصات التواصل الاجتماعي. وقام بتوثيق حسابه وأصبح ينشر كل يوم أو يومين، ويتابعه نصف مليون شخص على إكس ومثلهم تقريبا على فيسبوك.

ميتا

تعرض بعض المؤثرين على منصة انستغرام الشهيرة التابعة لميتا -المالكة لفيسبوك وإنستغرام - إلى نوع من الحظر لحساباتهم وتقليص انتشار محتوى يتعلق بفلسطين وهو ما يعرف بالانجليزية بالـ shadow ban، حتى أن بعضهم لجأ إلى تعديلات على صيغة كتابة تتحدى خوارزميات التطبيقات.

في 13 أكتوبر قالت ميتا -التي تصنف حماس منظمة إرهابية وتحظرها على منصاتها وتحجب المحتوى الداعم لها- في بيان عبر موقعها، إنها اتخذت إجراءات ضد أكثر من 795 ألف منشور- باللغتين العربية والعبرية- بالإزالة أو التصنيف كمحتوى مزعج، وذلك خلال أول ثلاثة أيام من الحرب التي بدأت في 7 أكتوبر الماضي وهو يمثل 7 أضعاف ما تم حظره في نفس الفترة خلال الشهرين السابقين.

وفي بيان لاحق، في 18 أكتوبر قالت ميتا إنها تطبق السياسات "بشكل متساو في جميع أنحاء العالم"."لا صحة للاقتراح القائل بأننا نتعمد قمع الأصوات،" بحسب ميتا لكنها أضافت "ومع ذلك، فإن المحتوى الذي يحتوي على مديح لحماس، التي صنفتها ميتا على أنها منظمة خطيرة، أو محتوى عنيف، على سبيل المثال، غير مسموح به على منصاتنا".

ومن بين الكلمات التي قد تأتي بالحظر "المقاومة" و"الإحتلال"، فلجأ كثيرون إلى كتابتها بشكل متقطع مثل "المقا…ومة" و"الاحت.ل.ا.ل" وظهر رمز "البطيخ" في المنشورات أيضا للتضامن مع الفلسطينيين للتذكير بفترة استبدل فيها الشعب الفلسطيني شرائح البطيخ بالعلم الفلسطيني الذي حظرته إسرائيل بعد حرب 1967، ما جعل الفلسطينيون يحملون شرائح البطيخ كرمز للعلم الفلسطيني الذي أعيد الاعتراف به مطلع التسعينات ثم أمر وزير إسرائيلي مطلع هذا العام بإزالته من الأماكن العامة لأن التلويح به هو فعل يدعم الإرهاب.

تبرر منصات الإعلام الرقمي خطوة منع المحتوى الصادر من غزة بأنها لمواجهة نشر خطاب الكراهية، لكن "صفحات كتير جدا أغلقت.. والتضييق صراحة غير مقبول وغير منطقي حتى،" بحسب خالد البرماوي، كاتب متخصص في الإعلام الرقمي.

وفي ظل هذا الكم من الضغط، شكل المحتوى الذي قدمه "المؤثرين" على منصات التواصل الاجتماعي محطة تغيير ساهمت في نشر ما يحدث في غزة، ولفت الانتباه للمعاناة الإنسانية التي يعيشها الشعب الفلسطيني خاصة مثل منع دخول الوقود والمياه وانقطاع الكهرباء.

محمد درويش

ابتكر محمد درويش، وهو مبرمج مصري، أداة معرفة للغتين العربية والإنجليزية، وظيفتها تغيير طبيعة الكلام الحساس المتعلق بالقضية الفلسطينية الذي قد يرفضه فيسبوك إلى كلام مقبول.

"لوغاريتمات فيسبوك (خوارزميات فيسبوك) لما بتتعرف عليه (الكلام الحساس) بتدي تحذير لصاحب المحتوى أو بتقيد له النشر أو بتمنعه من استخدام حسابه، فوظيفة الأداة انها بتغير في شكل الجمل علشان يصعب على الذكاء الصناعي و لوغاريتمات الفيسبوك انها تفهم معنى المكتوب،" حسبما قاله درويش لزاوية عربي.

ويرى درويش -الذي يمتلك شركة برمجيات ناشئة Bydotpy في مصر- أن الحل الذي فكر فيه ربما يكون غير فعال أو يصبح أصعب أو أكثر تعقيدا بعد فترة لأن من المتوقع أن يطور فيسبوك تكنولوجياته للتضييق على المحتوى.

ووصل عدد زيارات الأداة بعد أكثر من شهر على تدشينها إلى نحو 600 ألف زيارة، وفق درويش.

وبحسب أيمن عيتاني وهو رائد أعمال لبناني يعيش في دبي واستراتيجي رقمي، فإن "التذاكي على الخوارزميات لا يفيد" على المدى الطويل. "وسائل التواصل الاجتماعي هدفها الأساسي إنه يكون فيه أكبر عدد من الأشخاص موجودين على الصفحات وهدف ثاني هو إنه نحن كأشخاص نقضي وقت أكثر وأكثر بهيدي الوسائل، إذا أنا بتويتر (إكس حاليا) ضل بتويتر، إذا أنا بإنستغرام ضل بإنستغرام".

وأضاف: "لذلك عندهم خوارزميات تدرسني وتدرس المواضيع التي أتفاعل معها... المشكلة لدى الكثير من المؤثرين أن الناس الذين يتابعونهم تتابعهم للأكل، للموضة، للقصص الاجتماعية... فجأة صرتي تتكلمين بمواضيع سياسية، هذا الشخص لا يريد أن يسمع ذلك من جهتك... لأنك مصدر إلهام بالموضة والأكل... فيتوقف عن التفاعل معك".

باسم يوسف كان من أبرز المؤثرين على المشهد الإعلامي المصري الساخر المقيم في أمريكا، باسم يوسف عندما تحدث مع الإعلامي البريطاني الشهير بيريز مورجان، بطريقة ساخرة حول الحرب في غزة في مقابلتين حققت الأولى أكثر من 21 مليون مشاهدة على موقع يوتيوب والثانية أكثر من 11 مليون في 3 أسابيع فقط.

ويوسف معروف بسخريته من السياسيين والسياسة ويتابعه على تويتر ما يقرب من 12 مليون شخص، وبالتالي استطاع أن يجذب انتباه الكثيرين الذين يتابعونه لهذا الشأن.

 حتى أن الإعلامي البريطاني مورجان وصف المقابلة الأولى بأنها الأعلى مشاهدة في تاريخ برنامجه، وهو ما دفعه لإجراء مقابلة أخرى مع يوسف كانت هي أيضا ناجحة جدد يوسف فيها دعمه للقضية الفلسطينية ذاكرا شجرة الزيتون المعمرة ومقدما له الزعتر وزيت الزيتون البكر من فلسطين لتسليط الضوء على الثقافة الفلسطينية.

واجتذبت مشاركة يوسف في المقابلة الأولى تعليقات من مختلف دول العالم ومنها من شخص ألماني قال إن المقابلة غيرت معتقداته، وفي تعليق على حلقة عن فلسطين من برنامج "الدحيح" الرقمي الذي يقدمه أحمد الغندور، وهو مقدم محتوى مصري، كتب أحد الأشخاص على خاصية التعليقات على يوتيوب "أنا من المجر، واليوم اكتشفت الكثير من الظلم في الإعلام الغربي تجاه القضية الفلسطينية.شكرا لك".

الحلقة التي شاهدها أكثر من 14 مليون شخص على يوتيوب فقط في 9 أيام وسط مطالبات للغندور بتقديم نسخة بالإنجليزية، دفعت صاحبة حساب قالت إنها أمريكية للتعليق "كثير من الناس في أمريكا الذين أعرفهم يصدقون فقط ما سمعوه أثناء نشأتهم أو من كنيستهم أو عائلاتهم .. تعليمهم يتطلب الكثير ولكن يمكنهم التعلم وسأرسل هذا إليهم".

الكتلة الحرجة

قدرت وسائل إعلام دولية عدة منها "بي بي سي" و"رويترز" الحد الأعلى للأشخاص الذين يستطيعون ملء ميدان التحرير- مهد ثورة 25 يناير المصرية والتي أطاحت بالرئيس المصري حسني مبارك بعد أن انفرد بالسلطة لمدة 30 عام - بنصف مليون على الرغم من مزاعم وسائل إعلام محلية عدة بوجود ملايين في الميدان. ولكن استطاع النصف مليون - وهو رقم صغير مقارنة بتعداد السكان وقتها البالغ نحو 90 مليون شخص - تشكيل كتلة حرجة استطاعت إحداث تغيير.

لكن طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية المصري، يرى أنه لا يمكن تحديد "كتلة حرجة" في السوشيال ميديا خاصة في التدوينات غير المنظمة وتغطيات إعلامية وصحفية غير موحدة.

"الكتلة الحرجة هي ما نسميه الأصوات العائمة التي لها دور في مرحلة معينة على السوشيال ميديا.. هذا يكون له تأثير في نطاقات معينة لكنها لا تحشد،" بحسب فهمي.

وأضاف أن انتشار الصورة ووجود تغطيات إعلامية أكبر وعوامل أخرى، ساهمت في أن يكون للسوشيال ميديا تأثير على الجمهور الأوروبي والأمريكي لكنه غير كافي للتغيير في الأحداث السياسية الكبيرة.

وبحسب فهمي، لحدوث تغيير يجب وجود محرك آخر بجانب التدوينات، وهو ما يرى المحلل السياسي القطري عبدالله عبدالعزيز الخاطر أنه تحقق من خلال المظاهرات في العديد من الدول العربية والأوروبية، قائلا إن "كلاهما (السوشيال ميديا وتجمعات المظاهرات) مصدري معلومات داعمة لبعضهما الآخر".

وبحسب الخاطر: "هناك وعي جمعي عالمي سيغير المشهد السياسي العالمي وسيتجذر (سيتعمق) مع مرور الوقت وتساقُط جدار الخوف".

 

(إعداد: ريم شمس الدين وشيماء حفظي، تحرير: ياسمين صالح، للتواصل: zawya.arabic@lseg.com)

#تحليلمطول

لقراءة الموضوع على أيكون، أضغط هنا

للاشتراك في تقريرنا اليومي الذي يتضمن تطورات الأخبار الاقتصادية والسياسية، سجل هنا