26 05 2013

«موجة صعود منضبطة لسنوات مقبلة بعد تجاوز العقبات السياسية»

لا يحتاج الربط بين انتعاش السوق والوضع السياسي إلى عبقرية في التحليل.
 
صعد السوق منذ الانتخابات البرلمانية الأخيرة مطلع ديسمبر الماضي حتى اليوم بنسبة 37.2 في المئة، وإذا أضيفت إليها المكاسب منذ صدور مرسوم الصوت الواحد، فإن الحصيلة تقترب من 44 في المئة.

يمكن للحكومة أن تفرح بابتسام السوق لها، لكن سيف البورصة له أكثر من حد، فمن ينسب الارتفاع إلى الحكومة سيجعل الخسارة في وجهها غداً إذا حان وقت التصحيح. يستحق الأمر إذاً بعض الحذر من أن يكون الارتفاع مبالغاً فيه، لأن الثمن قد يكون فقاعة تنفجر في وجه الحكومة لاحقاً.

إلا أن الأوساط الحكومية تبدو متفائلة بوضع السوق، وبأن ارتفاعات الأشهر الماضية لا تترتّب عليها مخاطر فقاعة مقبلة.

في أسباب الاطمئنان ترد أسباب عدة، ورد بعض منها في ورقة تقييم غير رسمية تلقّاها الوزراء، وخلاصتها «أننا في عهد جديد من حياة السوق الكويتي، إذ تنتظرنا موجة صعود منضبطة للسنوات المقبلة، بعد تجاوز العقبات السياسية وعودة الاستقرار والثقة للمستثمرين من داخل الكويت وخارجها، والتي يعكسها الارتفاع السوقي الحالي».

وفي أبرز مبررات الاطمئنان الحكومي ترد العناصر التالية:

1 - على الرغم من ارتفاعات الأشهر الماضية، فإن بورصة الكويت تظل من الأقل تعويضاً للخسائر بمنذ ظهور بوادر الأزمة المالية العالمية بين أسواق الخليج.
 
فبين أغسطس 2008 ونهاية أبريل 2013 ظلت خسائر مؤشر الكويت السعري 51.93 في المئة رغم الارتفاع الكبير الذي سجله المؤشر منذ نوفمبر 2012.
 
في حين أن خسائر المؤشر السعودي خلال الفترة نفسها تقلصت إلى 23.23 في المئة، وبالمثل تقلصت خسائر بورصات أبوظبي إلى 26.8 في المئة، والدوحة إلى 33.9 في المئة، ومسقط إلى 45.9 في المئة.
 
وتبقى دبي والبحرين وحدهما أكثر خسارةً من الكويت بنسبة 60.7 في المئة لكل منهما.

2 - ما زالت ارتفاعات السوق محصورة إلى حد بعيد في الشركات غير القيادية. فالشركات الـ15 القيادية التي يضمّها مؤشر «كويت 15» تشكّل 64 في المئة من إجمالي القيمة الرأسمالية لبورصة الكويت.

وهذا المؤشر لم يرتفع بأكثر 8.5 في المئة منذ بداية العام حتى نهاية الأسبوع الماضي، مقارنة بـ38.3 في المئة للمؤشر السعري، و12.4 في المئة للمؤشر الوزني.

الجزء الأكبر من «الحفلة» الجارية في السوق إذاّ محصورة بأسهم لا تتجاوز نسبتها 5 في المئة من القيمة السوقية للبورصة.
 
والدليل على ذلك أن إجمالي القيمة السوقية للبورصة ارتفع بنسبة 8.4 في المئة فقط منذ بداية العام، وهي نسبة قريبة جداً من مكاسب مؤشر «كويت 15»، ما يؤكد أن مكاسب المؤشر السعري ناجمة عن أسهم لا تشكل من السوق إلا القليل القليل.

3 - لا تُغفل الورقة الحكومية الأثر الإيجابي للتطورات السياسية، إذ إن الرسم البياني لحركة مؤشر السوق تُظهر الارتباط بين نشاط السوق والوضع السياسي، فالانخفاض الطويل المدى للمؤشر بين العامين 2009 و2012، ترافق في معظم الأحيان مع أجواء المشاحنات السياسية.
 
وبعد ارتفاع محدود إثر استقالة حكومة سمو الشيخ ناصر المحمد وإجراء الانتخابات في فبراير 2012، عاد السوق إلى التراجع بنسبة 13 في المئة إثر صدور حكم المحكمة الدستورية ببطلان الانتخابات.

وما لا تذكره الورقة الحكومية أن موجة الارتفاع الراهنة بدأت بعد أسبوع أو أسبوعين من صدور مرسوم تعديل طريقة التصويت لتصبح بالصوت الواحد، أي بعد استيعاب الحياة السياسية ردود الفعل عليه. وتحوّلت المكاسب الخجولة إلى موجة ارتفاع عارمة بعد أن جرت الانتخابات بسلام وتراجع الحراك المعارض.

4 - قد يرى البعض أن صعود الأسهم الصغيرة مبالغ فيه، لكن في المقابل هناك من يرى مبررات له. فهذه الشريحة من الأسهم هي التي نزفت بشكل هائل خلال سنوات الأزمة، حتى وصل العديد منها إلى ربع القيمة الاسمية، في حين كانت الأسهم القيادية (وبالذات أسهم البنوك) أكثر ثباتاً.
 
وليس أدل على ذلك من أن القيم السوقية لأكثر من ثلثي الأسهم المدرجة انخفضت كثيراً عن قيمها الدفترية، وما زال هذا هو الحال لعشرات الأسهم حالياً. ولذلك، ما إن اقتربت الأمور من التحسن حتى بدأت هذه الأسهم تتحرك لأخذ موقعها الطبيعي.

5 - من اللافت للانتباه، بحسب الورقة الحكومية، ان موجة الصعود الحالية في البورصة، خلافاً لموجات الصعود قبل الازمة، لم يتم تمويلها من البنوك او شركات الاستثمار، بسبب الضوابط والقيود المشددة التي وضعها بنك الكويت المركزي لتفادي تعريض البنوك للمخاطر التي قد تترتب على أي أزمات مالية كما حدث سابقاًَ.

من أين تأتي إذاً السيولة التي ارتفعت مستوياتها إلى أكثر من 100 مليون دينار يومياً؟ تعزو الورقة الحكومية الأمر إلى فائض السيولة المتوافر في النظام، «والبحث عن الفرص الاستثمارية بعد أن تمت غربلة ما يقارب 10 في المئة من عدد الشركات (المدرجة) التي شطبت أو أوقفت على مدى 5 سنوات مضت، هي الدافع الأساسي للارتفاع الطبيعي الذي نشهده».

وترى الورقة أن البنوك «قد تعتبر المستفيد الأول من موجة الصعود الحالية، إذ إن العديد من قروضها للشركات وكبار الملاك مضمونة بالأسهم المدرجة بالدرجة الأولى».

6 - على المستوى الفني، كانت مستويات 7400 - 7600 نقطة حاجز مقاومة قوي جداً، وقد أعطى اختراقه مبررات لصعود قوي. وإذ تتوقع الورقة الحكومية عمليات جني أرباح، تشير توقعاتها إلى أن المفضل أن يتم التأسيس عند المستويات القريبة من 8000 نقطة، حتى يكمل المؤشر صعوده إلى مستويات 9000 و10 آلاف نقطة.

لماذا لا تشارك الأسهم القيادية في «الحفلة» ؟

ليس في بقاء الأسهم القيادية خارج موجة الصعود ما يثير القلق الحكومي، تماماً كما أنه لا يثير استغراب المراقبين.

في الورقة الحكومية إشارة إلى «النظرة المتفائلة جداً للأسهم القيادية وللسوق عموماً في السنوات المقبلة»، لكنها تلفت في المقابل إلى أن هذه الأسهم لم تنزف بمقدار نزف الأسهم الصغيرة، وهذا سبب لعدم ارتفاعها بالوتيرة نفسها حالياً.

في أوساط المحللين من يتوقع استمرار الانفصام بين الأسهم القيادية والرخيصة، لسبب مباشر هو الفجوة لم تلتئم بعد بين القيم الدفترية للأسهم الصغيرة وقيمها السوقية، ما يعني أن الأسهم الرخيصة ستبقى تجتذب السيولة إلى أن تستعيد أسعارها المستويات «الطبيعية».

أضف إلى ذلك أن مكررات أسعار الأسهم القيادية باتت مرتفعة، وبالتالي لا بد من انتظار تحسن الربحية بشكل واضح قبل أن يصبح الارتفاع مبرراً.

ومع ذلك، فإن بعض المحللين يتوقعون أن تستفيد الأسهم القيادية في المدى القصير النزوح نحو الملاذات الآمنة في حال اتجه السوق إلى التصحيح.


       

© Al- Rai 2013